ابن أبي الحديد
243
شرح نهج البلاغة
لذاته ، فكيف تتأولون قوله عليه السلام : ( الذي علا بحوله ) ، أليس في هذا إثبات قدرة له زائدة على ذاته ، وهذا يخالف مذهبكم . قلت : إن أصحابنا لا يمتنعون من إطلاق قولهم : إن لله قوة وقدرة وحولا ، وحاش لله أن يذهب ذاهب منهم إلى منع ذلك ! ولكنهم يطلقونه ويعنون به حقيقته العرفية ، وهي كون الله تعالى قويا قادرا ، كما نقول نحن ، والمخالف : إن لله وجودا وبقاء وقدما ، ولا نعنى بذلك أن وجوده أو بقاءه أو قدمه معان زائدة على نفسه ، لكنا نعنى كلنا بإطلاق هذه الألفاظ عليه كونه موجودا أو باقيا أو قديما ، وهذا هو العرف المستعمل في قول الناس : ( لا قوة لي على ذلك ) و ( لا قدرة لي على فلان ) لا يعنون نفى المعنى ، بل يعنون كون الانسان قادرا قويا على ذلك . ومنها أن ( مانحا ) في وزن ( كاشف ) و ( غنيمة ) بإزاء ( عظيمة ) في اللفظ ، وضدها في المعنى ، وكذلك ( فضل ) و ( أزل ) . ومنها أن ( عواطف ) بإزاء ( سوابغ ) ، و ( نعمه ) بإزاء ( كرمه ) . ومنها وهو ألطف ما يستعمله أرباب هذا الصناعة : أنه جعل ( قريبا هاديا ) ، مع قوله : ( أستهديه ) ، لان الدليل القريب منك أجدر بأن يهديك من البعيد النازح ، ولم يجعله مع قوله : ( وأستعينه ) ، وجعل مع الاستعانة ( قاهرا قادرا ) لان القادر القاهر يليق أن يستعان ويستنجد به ، ولم يجعله قادرا قاهرا مع التوكل عليه ، وجعل مع التوكل ( كافيا ناصرا ) ، لان الكافي الناصر أهل لان يتوكل عليه . وهذه اللطائف والدقائق من معجزاته عليه السلام التي فات بها البلغاء ، وأخرس الفصحاء . * * *